السيد محمد تقي المدرسي
94
من هدى القرآن
« يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » بالعذاب والمذلة بين الناس ، ولعل في الآية إشارة إلى أن الله يُمضي شفاعة الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنين معه من أئمة الهدى والصالحين . « نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ » التي كدحت في سبيل الله . أما عن النور فالأظهر فيما قيل ثلاثة آراء لا تناقض بينها : الأول : أنه العمل الصالح والإيمان يظهر في صورة نور يوم القيامة . الثاني : أنه القرآن الذي مشى على هداه المؤمنون فهو يقودهم إلى الجنة كما قادهم في الدنيا إلى الصواب والسعادة . الثالث : أنه أئمة الهدى والقادة الصالحون الذين اتبعوهم في الدنيا ، فهم يقودونهم إلى الجنان كما قادوهم إلى الحق والعمل الصالح في دار الدنيا ، قال الإمام أبو عبد الله عليه السلام : أَئِمَّةُ المُؤْمِنِينَ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ حَتَّى يَنْزِلُوا مَنَازِلَ لَهُم ] « 1 » . وعندما نبحث عن الأسباب التي نجا بها المؤمنون من الخزي يوم القيامة ، وسعى لأجلها نورهم بين أيديهم ، نجد من أهمها طموحهم الكبير للكمال ، وتوكلهم على ربهم ، ودعاؤهم إليه أن يغفر لهم . . هكذا يدعون ربهم : « يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا » ومن تمام النور كمال الوعي وإصابة الحق في كل جوانب الحياة وأبعادها المختلفة ، وهناك علاقة بين دعاء المؤمنين بتمام النور وغفران الذنوب فإن الخطايا في الحقيقة ظلمات معنوية تتمثل يوم القيامة ، الظلم ظلمات ، والغش ظلمات وهكذا الكذب والإسراف . فهم من جهة يسألون ربهم تمام النور ، ومن جهة أخرى يطمحون إلى النجاة من ظلمات الذنوب والخطايا . ودون هاتين الغايتين تقف التحديات الصعبة التي تحتاج إلى عزم الإرادة ، واستقامة الإيمان اللذين يستمدهما المؤمنون من ذي القوة المطلقة بالدعاء والتوكل ، إذ يعلمون أن بلوغ الغايات السامية ( تمام النور ، والغفران ) يحتاج إلى توفيق الله وأن تُجانب سعيهم قدرته ، وهذا ما تشير إليه الخاتمة : « إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . وكلمة أخيرة : إن الله سبحانه بعد الأمر بالتوبة النصوح والدعوة إليها لم يقل جزما : « رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ . . » إنما أضاف « عَسَى » التي تفيد الترجي . . فالنتيجة المترتبة قد تكون وقد لا تكون حسب المفهوم الظاهر للكلمة ، وذلك لكيلا يتسرب إلى أفئدة المؤمنين الغرور والعجب فيكون الاعتماد منهم على التمنيات بغفران الله بدل السعي والعمل . [ 9 ] وبعد أن أمر الله بوقاية النفس والأهل من النار ، والتوبة النصوح إليه عز وجل ،
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 378 ، بحار الأنوار : ج 23 ، ص 304 .